العود: ذهب الشرق السائل
/ 3 دقائق قراءة

العود: ذهب الشرق السائل

لكل مادة عطرية أسطورية حكاية، أما العود فله جُرح. الرائحة التي تتبخّر بها مجالس الخليج، والزيت الذي تداوله عطّارو القاهرة جيلًا بعد جيل، والنوتة التي فتحت العطور الغربية في عقد واحد — كل ذلك يبدأ بشجرة تتعرض لهجوم.

ما العود فعلًا؟

«الأكويلاريا» شجرة دائمة الخضرة عاديّة المظهر، موطنها غابات جنوب آسيا وجنوبها الشرقي: آسام وفيتنام وكمبوديا وبورنيو. خشبها السليم شاحب يكاد لا يحمل رائحة. لكن حين تُجرح الشجرة ويغزوها فطر — أشهر المدروس منها «فيالوفورا باراسيتيكا» — تدافع عن نفسها بإغراق الجرح براتنج داكن عطري. وعلى مدى سنوات، بل عقود، يتحول قلب الخشب المُشبَّع إلى ما نسميه العود: كثيف، يقارب السواد، وعَطِر على نحوٍ لا يضاهيه خشب سليم على وجه الأرض. نسبة ضئيلة فقط من الأشجار البرية تنتجه، ولهذا أسقط الباحثون عنه غاباتٍ كاملة قديمًا، ولهذا تحمي اتفاقية «سايتس» أشجاره البرية اليوم، ولهذا تُباع أفخر درجاته بأسعار تفوق الذهب وزنًا بوزن. «الذهب السائل» ليس استعارة؛ إنه سعر صرف.

قطّر الخشب الراتنجي تحصل على «دهن العود». ورائحته عصيّة على التلخيص: خشبية، جلدية، حلوة بعفونة نبيلة، مدخّنة، حيوانية، عسلية، طبية — وأحيانًا كل ذلك معًا. يصف الناس لقاءهم الأول بها كما يصفون أول حبة زيتون: حيرة، ثم هوس.

ألفا عام من الولاء

ورد العود في النصوص السنسكريتية باسم «أَغورو»، وسافر على طرق البخور إلى جوار اللبان والمرّ، وله في التراث الإسلامي مكانة أثيرة؛ فالتبخر بالعود مذكور في كتب الحديث، وما زال يعطّر المساجد والبيوت والأفراح. وبنت اليابان حوله فنًّا تأمليًا كاملًا هو «الكودو»، أي «الإنصات إلى البخور»، حيث تُصان قطع الدرجة الأرفع «الكيارا» كما تُصان كنوز الدولة. وفي الخليج ليس العود فئة عطرية بل طقس اجتماعي: بخور يُمرَّر في الثياب والشعر قبل قدوم الضيوف، ودهن عود يوضع صِرفًا وتُبنى فوقه البخّات. ومصر داخل هذه الحكاية أيضًا: فحوانيت العطارة حول خان الخليلي تمزج العود في زيوت «المخلّط» منذ ما لا تطاله الذاكرة، ضمن ثقافة عطر تكاد تكون أقدم ثقافات الأرض جميعًا.

كيف لحق الغرب بالركب؟

تجاهلت العطور الغربية العودَ معظم القرن العشرين ثم اعتنقته بين ليلة وضحاها. نقطة التحول كانت «إم 7» من إيف سان لوران عام 2002، برعاية توم فورد الإبداعية وتأليف ألبرتو موريّاس وجاك كافالييه؛ تعثّر تجاريًا وصار معلمًا عبادته سرّية، وخلال عقد كانت كلمة «عود» على قوائم الإطلاق أكثر من الفانيليا. وهنا صراحة واجبة: أغلب «العود» الغربي يحوي قليلًا من زيت العود الطبيعي أو لا يحويه أصلًا؛ إنها «توليفات عود» تُبنى من السعد (الناجارموتا) ونوتات الزعفران واللاذن والباتشولي والأخشاب الاصطناعية الحديثة، معايَرة لتستحضر دخان الراتنج وعمقه من دون زمجرته الحيوانية ومن دون سعره. هذه حِرفة لا خداع، والتوليفة قد تكون فاتنة؛ لكنها تفسر لماذا يبدو العود الغربي ودهن العود الصِّرف قريبين بعيدين لا شقيقين.

ثلاث قراءات لمادة واحدة

الدبلوماسي: عود وود من توم فورد

عود وود (2007) هو العطر الذي علّم جيلًا من الأنوف الغربية حبَّ العود — بصقله ناعمًا. خشب الورد والهيل وقاعدة صندل وفانيليا كريمية تلفّ نوتة العود بالكشمير. لا دخان ولا طابع طبي؛ هادئ بما يليق بمكتب، مصقول بما يليق ببدلة. لو كان العود لغة، لكان هذا أشدّ لهجاتها تهذيبًا.

صاحب النفوذ: عود فور غريتنس من إنيتيو

عود فور غريتنس (2019)، من تأليف عطّار جيفودان خوردي فرنانديز، يسلك الطريق المعاكس: زعفران وجوزة الطيب يشتعلان فوق اللافندر، وتوليفة عود هُندست من أجل الحضور الصرف. إنه الذائقة الخليجية الحديثة مترجمةً إلى قارورة نيش فرنسية — كثيف واثق، بُني ليُعلن عن صاحبه قبل أن يدخل. في أمسيات الشتاء المصري يكون مهيبًا؛ وفي أغسطس يجب تقنينه كالإسبريسو.

الرومانسي: عود أصفهان من ديور

عود أصفهان (2012)، بتوقيع فرانسوا دوماشي لمجموعة ديور الخاصة، يقرن العود بالمادة التي أحبها أطول من أي شيء: الورد. اللاذن والصندل يحوّلان الثنائي إلى ما يشبه صحراء عند الغسق — حرّ جاف وزهور وردية وراتنج في الهواء. إنه الأكثر عاطفةً بين الثلاثة، والأقرب رائحةً إلى تقليد «الورد والعود» الشرقي وهو يتكلم بلسان دار باريسية.

كيف ترتديه؟

العود يكافئ الاقتصاد. إنه يتفتّح على الجلد الدافئ، ففي مناخ مصر تؤدي بخّتان على الصدر عملَ ستٍّ في أي مكان آخر. وامنحه وقتًا؛ فتوليفات العود كثيرًا ما تفتتح خشنة ثم تستوي على مخملها خلال ساعة. والبسه حيث تكون الأمسيات ملكه: العود ظهرًا في زحام القاهرة اعتراف، أما ليلًا فهو توقيع.

قبل ما تقرّر

اقرأ عنه. وبعدين عيش معاه.

اطلب عيّنة ⁦2ml⁩ من أي عطر في الدار والبسه كام يوم قبل ما تقرّر.

جرّبه

اقرأ المزيد

كل المقالات ←
اكتشف عطرك جرّب ⁦2ml⁩